EXCLUSIVE

19 آذار 2017, 21:11
فيوليت غزال البلعة
موازنة لبنان ترتاح...

بين لحظة ولحظة، طارت السلسلة وطيّرت معها أحلام معلمي القطاع العام برتب ورواتب لائقة. وأيضا، طار الوفاق السياسي بعيدا من أولى خطوات العهد، وإنفجرت بين نواب المجلس، بين الأحزاب المتحالفة والمتخاصمة... إرتاحت الموازنة لإغفالها وإقحامها في السجالات، لكنها أبقت سلتها الضريبية شبحا مخيما يقضّ مضاجع اللبنانيين.

إرتاحت الموازنة لسقوطها مجددا في فخّ المناكفات الحامية الكفيلة بتعطيل كل المخارج. فهي تيقّنت شرّا حين بادرت حكومة الانتخابات إلى وضعها على لائحة الأولويات. وفي ذلك همّ أُريد إزاحته بعدما شكّل كابوسا قضّ مضاجع المجتمع الدولي الحائر في قدرة لبنان على تدبير أموره بـ"التي هي أحسن" لنحو إثني عشر عاما، على وقع قاعدة إثني عشرية، تدفع ولا تسأل، تكافئ المخالفين وتغرّم الملتزمين، تنفق ولا تجبي ما لها وعليها... فلمَ الإنتظام اليوم في فذلكة تفضح المستور، وتحدّد بالأرقام إدارة الدولة لأموال الشعب؟

بين لحظة ولحظة، تحرّك الشارع مجددا ضدّ السلطة. وإن اختلفت عناوين الحراك الجديد، فهي جاءت إحتجاجا على قرار إعدام جماعي للفقراء وذوي الدخل المحدود. سلسلة عصت على الإقرار السياسي قبل خمس سنوات، وتعود اليوم إلى حال العصيان لضيق أفق التمويل في إقتصاد يتهالك ركودا وإنكماشا. هي تشبه النفايات المتمرّدة على كل العلاجات والمعالجات، بما يوحي بأن للملفات الشائكة مكانا واسعا في صحن صفقات تُعقد تحت أجنحة الظلام...

كلامٌ كثير قيل في اليومين السابقين. وإعتصامات قلب بيروت، قالت ولوّحت بأكثر. بالأصابع، دلّ المتهمون على المتهمين بفسادٍ أهدر أموال المكلّفين وحقهم في عيش كريم، وراكم إلى دين عام وكلفة ثقيلة وعجز مزمن، إهدار فرص كانت لتكفل نقل لبنان من موقع إلى آخر في خريطة العالم الحديث.

مشهد إسقاط الضرائب بالجملة أثار أصحاب الجيوب الفارغة. رغم الإنكار، ستطوّق السلة الضريبية الجديدة كل مفاصل الحياة. من الرغيف والسلة الغذائية الى تنكة البنزين، مرورا بأقساط المدارس والسيجارة والمشروب وفواتير الهاتف والخليوي، حتى السفر برا وبحرا وجوا... وتطول اللائحة لتشمل أرباح الشركات الكبيرة وأيضا الصغيرة، والبيوعات العقارية و...

التكليف الضريبي يخضع في العادة إلى تعديلات في دورات النمو الإقتصادي. فالدول الراغبة في تعزيز ماليتها العامة وتضييق عجوزاتها المالية، تلجأ إلى تكليف المواطن بضرائب ورسوم جديدة، لكنها لا تغفل في المقابل ما عليها من خدمات وحوافز تسهّل شؤون الحياة وتبعث بالنفوس الى الأمل. فهل يوحي إقتصاد لبنان بأنه غير واقع في الركود، حتى تبادر الحكومة إلى اختيار أسهل سبل التمويل؟

يريد أهل الحكم إستعادة ثقة الناس بالدولة. لكنهم لا يقاربون أيا من العناوين التحفيزية في فرض ما يلزم من سياسات. عملوا بجهد لوضع موازنة جديدة، حمّلوها ضرائب لإعتقاد بانها ستنقذ مالية الدولة من العجز، من دون إحتساب مفاعيلها على اللبنانيين. هم أنفسهم، عادوا اليوم إلى رذل السلة الضريبية، في مزايدة ذهبت بهم حدّ المطالبة بعدم المسّ بجيبة الفقير، وإن على حساب إقرار الموازنة وقانون الإنتخابات.

إلتواءٌ في المواقف لا يطمئن اللبنانيين. ممارسات وأداء وشعارات تتقاتل لتجد طريقها إلى أصوات الناخبين، تأييدا يعيدهم إلى حيث هم، إلى مواقع تطمئنهم وتكفل لهم حماية فساد وهدر يعيثان بالمقدرات وينهبان الثروات ويطيحان بفرص الانقاذ. إنقسامٌ لم يقتصر على الطبقة الحاكمة، أزال الاصطفاف ما بين 8 و14، وما بين مسيحيين ومسلمين، ما بين مدن وقرى. تحوّل الشارع شارعين، مع الضرائب أو ضدها، في فرز غير مسبوق في تاريخ لبنان، يحدث قرقعة لن تخرج عن أدبيات الملهاة التي أُريد لها أن تشكّل فقاعة تطلق في وجه العهد الإصلاحي.

لا حال من الأحوال الجديدة تبشر بإطلالة قريبة لأي إنفراج. وهذا يعني أن الأداء أطاح الموازنة ومعها السلسلة والإنتخابات ربما، ولكنه هزّ الثقة. هزيلٌ معدل النمو المتوقع هذا العام. وسيزيد هزالة إن بقيت الميوعة تسود السياسات. فالأبيض يبقى أيضا مهما حاول المستفيدون تسويده، والعكس صحيح. وبين أبيض وأسود، يقف إقتصاد لبنان خالي الوفاض مما بقي له من مقومات نهوض. اليوم موازنة وضرائب، وغدا إنتخابات نيابية، وبعدها قد تعود الكهرباء أو النفايات.

إبريق زيت يحكي الحكاية عينها، ولكن بصيغ جديدة توحي بأن القادم من الأيام لا يبشّر بما حفلت به الإنتظارات من خير وإنفراج بعد ضيق.