EXCLUSIVE

08 نيسان 2017, 07:04
Arab Economic News مارون البلعة
المحكمة الدولية...لمن!

المحكمة الجنائية الدولية تأسست سنة 2002 كأول محكمة قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم ضد الإنسانية. تعمل هذه المحكمة على إتمام الأجهزة القضائية الموجودة، فهي تقوم بدورها عندما تبدي المحاكم الوطنية رغبتها في التحقيق أو الادعاء ضد تلك القضايا. فالمسؤولية الأولية تتجه إلى الدول نفسها. هي منظمة دولية دائمة، وأول هيئة قضائية دولية تحظى بولاية عالمية. وقّع على قانون إنشاء المحكمة 121 دولة، وتعرضت لانتقادات من الصين والهند وأميركا وروسيا التي تمتنع عن التوقيع على ميثاق المحكمة.

تُعدّ المحكمة الجنائية هيئة مستقلة عن الأمم المتحدة. وقد حقّقت في  قضايا: أوغندا الشمالية وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى ودارفور. يقع مقرُها في هولندا. وقد يخلط البعض ما بين المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، لذلك فهما منفصلان. تلقت الحركة الساعية لإنشاء محكمة دولية دفعة قوية بعد محكمة نورنبيرغ وطوكيو التي تأسست لمعاقبة جرائم أتُهمت بها أطراف خسرت الحرب العالمية الثانية. وقامت لجنة خاصة بتقديم مسودتين لنظام المحكمة الجنائية في مطلع خمسينات القرن الماضي، لكنه حُفظ على الرف تحت وطأة الحرب الباردة.
سعت ترينيداد وتوباغو إلى إحياء الفكرة عام 1989 عندما اقترحت إنشاء محكمة دائمة للنظر في تجارة المخدرات. وأثناء ذلك، تشكلت المحكمة الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا في 1993، وأخرى خاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا في 1994.

في العام 1998، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع القرار.

عند بدء أعمال الإبادة الجماعية في رواندا، رفضت الولايات المتحدة في البداية أن تشرك نفسها في ما اعتبرته "صراعا محليا"، ودفعت مجلس الأمن الدولي الى خفض عديد قوات منظمة الوحدة الأفريقية لحفظ السلام الموجودة هناك، بعدما ذبح نحو نصف مليون من شعب "التوتسي" بشكل منهجي. فرنسا التي رأت الصراع في رواندا من خلف عدسات نظارتها الاستعمارية كأنه محاولة من الشعب الأفريقي الناطق بالانكليزية في أوغندا لإقامة دولة ناطقة بالانكليزية لشعب "التوتسي"، بادرت الى تسليح ودعم الحكومة التي يقودها "الهوتو" المسؤول عن الإبادة. لكن بعدما تمكنت الجبهة الوطنية الرواندية التي يسيطر عليها "التوتسي" من هزيمة الجيش الرواندي، وكانت آثار الموت أكبر من إمكان إخفائها، أُرغم مجلس الأمن على اتخاذ تدابير لجلب المجرمين. وفي العام 1994، أصدر مجلس الأمن قراره رقم 955 الذي نشأت بموجبه المحكمة الدولية الخاصة برواندا لمحاكمة المسؤولين عن أعمال الإبادة.

المحكمة التي تأسست في تنزانيا، بُنِيَت على أساس قرارات سابقة لمجلس الأمن الذي شكل بموجبها لجنة تحقيق لتقييم الدعاوى التي تؤكد أن أعمال إبادة جماعية اقتُرفت في رواندا. وتابع المجلس النتائج التي توصلت إليها التحقيقات: 50 جلسة محاكمة، و29 إدانة، و11 محاكمة جارية، و11 شخصا قيد الاعتقال بانتظار المحاكمة، و13 مطلوبا لم يتم القبض عليهم بعد.
وكان رد فعل المجتمع الدولي على الصراع في يوغسلافيا السابقة على نحو مشابه. فبعد ورود تقارير عن تطهير عرقي واسع تمّ تقديمها، أسس مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 808 المحكمة الدولية الجنائية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة. وكانت للمحكمة الخاصة بيوغسلافيا ولاية قضائية لإجراء التحقيقات ومحاكمة المسؤولين عن أعمال الإبادة، وتأسست في وقت كان فيه القتال لا يزال مستمرا، مما شكّل مزيدا من الضغط على الأطراف لردعها عن ارتكاب المزيد من المجازر، وهو هدف فشلت المحكمة في تحقيقه. ورغم نجاحها، أثارت الجدل على المستوى الدولي بشأن تكاليفها الباهظة والبطء في إجراء المحاكمات. والأهم هو غياب الدعم المحلي للمحكمة، مما يعني أن المحكمة تستند إلى شرعية دولية ضيقة.

تظهر الحصانة الممنوحة لإسرائيل بوضوح في فشل المجتمع الدولي في تأسيس محكمة دولية خاصة لإجراء التحقيقات ومحاكمة المسؤولين الإسرائيليين المسؤولين عن ارتكاب الجرائم ضد الشعب الفلسطيني. وأظهر مجلس الأمن الدولي  انه إذا كان مستعدا، فهو قادر على اتخاذ مواقف ضد الأنظمة المتورطة في انتهاكات لحقوق الإنسان، وضد الحكومات المشاركة في أعمال التطهير العرقي وفي الأماكن التي يوجد فيها أنظمة إجرامية.

هذا غيض من فيض لأمثلة عصفت بدول تسببت بها قادة حالمة بمستقبل واعد لشعوب لم تخوّلها بذلك، ومع ذلك وبدون استفتاء، أي استئذان، شرعت بالتنفيذ مستبقة النتائج التي جاءت بعكس ما تمنّت.

يتابع المجتمع اللبناني نتائج تحقيقات دولية في لاهاي لمعرفة ومحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
كما يعيش المجتمع الدولي الآن مجازر تُرتكب في سوريا، من قصف جوي لم يسبق له مثيل، وحتى قذائف ذات رؤوس كيميائية او ما شابه من نفس الفصيل. وينتظر المجتمع الدولي ما ستؤول اليه نتائج هذا الامتعاض او ما ستتوصل اليه التحقيقات من لجان ستوفد لهذه الغاية، سبقتها جيوش وافدة وأخرى ستوفد لاحقا.

تعيش الطوائف المسيحية مجتمعة هذا الاسبوع، آلاما عاشها اسلافهم من 2017  سنة، وهي صلب وموت السيد المسيح، والتي كانت بدورها، اي عملية الصلب، نتيجة محاكمة جائرة، وإن غسل بيلاطس يديه منها لأنّها كانت بطلب من الشعب اليهودي.
أحلام، فأطماع، فتعديات، فارتكابات، فنتائج كارثية تأتي بمحاكم استثنائية، التي وإن طال أمدها وغلت كلفتها، تطال بعقوبتها اشخاصا ومجموعات يتمنى المنادون بها أن تكون عبرة لغيرهم علّهم يرتدّون لئلاّ تخدم أحكامها المحرّكين لا المنادين .