EXCLUSIVE

18 كانون أول 2017, 07:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
نفط لبنان... "إمرأة القيصر"!

من الحسن أن يتعافى لبنان بعد نكسة الإستقالة بسرعة، وإن على تسوية لم تسّو كل الأحوال لمحاكاة الإنتعاش المرتقب عادة مع موسم أعياد نهاية العام، إذ أبقت المساكنة عنوانا إلزاميا ما بين أهل السلطة في مرحلة إقليمية حرجة. لكن يفترض الإقرار بأن تلك التسوية، وعلى هشاشتها، نجحت حتى الآن في وضع لبنان أمام الإستحقاق الإنتخابي الربيع المقبل بعد تمديد ثالث لم يقدّر للعهد الجديد أن يهضم رابعا كان مرجحّا حتى آخر لحظة بدليل إقرار قانون لا آليات تطبيقية واضحة له. كذلك، لا يمكن إغفال أهمية التسوية كونها أهّلت لبنان بعد معاناة ورهانات وخلافات، للوقوف عند باب "نادي الدول النفطية"، حيث يتقرّر مصيره عند مفترق الإختيار ما بين "النعمة أو اللعنة".

من الحسن أن يحاول لبنان تسجيل أولى إنجازات العهد الفعلية بعد سقطات وهفوات ألزمت اللبنانيين بأثقال ضريبية في زمن الركود الإقتصادي ثمنا لحقوق أصحاب سلسلة رتب ورواتب، أعفتهم الزبائنية السياسية من الإصلاح إسترضاء لأصوات ناخبة. فكانت المقايضة هي الحدّ الفاصل ما بين الحقوق والمال الإنتخابي في زمن شحّ السيولة.

يرغب اللبنانيون في منح حكامهم فرصا جديدة. فالأمل عنوان المرحلة، وإن كان على حساب الواقع الذي لم يتحرّك إيذانا بإطلاق العنان للإزدهار والنمو الإقتصاديين. لكن، يتوجب في المقابل، ألا يمنح هؤلاء الحكام ما يمكن أن يعزّز الشكوك ويغذي الشائعات ويضعف الثقة بأداء تفوح منه روائح الصفقات في العلن لا في السرّ... والأمثلة كثيرة، وحرام تعدادها لعدم جدوى الشكوى منها.

في النفط إذا، خطوة أولى للبنان. وموافقة مجلس الوزراء على منح رخصتين للاستكشاف والإنتاج في البلوكين رقم "4" و"9 " لائتلاف "توتال" الفرنسية و"إيني" الإيطالية و"نوفاتك" الروسية، تفوّض وزير الطاقة توقيع العقود ودفع الكفالات والإطلاع من الشركات على "خطة الإستكشاف" قبل بدء العمل لخمس سنوات أولى ومن مرحلتين: الأولى ثلاث سنوات، والثانية سنتان.

يدرك اللبنانيون أن أولى البوادر النفطية لن تظهر قبل سبع سنوات. لكنهم يخشون ما يدور في كواليس المتخالفين والمتحالفين من صراع، يُقال إنه على تقاسم النفوذ والحصص والمغانم... وللكلام صلة إن شارف لبنان دائرة الإصابة بـ"المرض الهولندي" ولم يفد من نجاح تجربة النروج التي وهبته بسخاء دروسه النفطية الأولى!  

دولتان في قارة واحدة كانتا عبرة لعالم يضعف أمام ثروة سوداء، فيحار بين تحميلها وزر كل الأعباء أو توزيع منافعها على إقتصادات يفترض أن تحافظ على كل قطاعاتها الحيوية. هولندا، مصدر توصيف "المرض الهولندي" الذي يضرب به المثل عند تقدّم المطامع أو سوء إستخدام الثروات على حسن إدارة المصالح العامة. إكتشفت نفطها في خمسينات القرن الماضي، وسقطت في فخّ الثروة الطارئة، فركزّت عليها متجاهلة ما لديها من ثروات. مال شعبها إلى التراخي والكسل قبل صحوة على نضوب الآبار.

أما النروج التي إكتشفت نفطها بعد عقد فقط أي في الستينات، ففكرت في تجنّب أزمة الجارة الهولندية، وقرّرت ألا تنجرف في تغليب المصدر الناضب على المستدام. أخرجت إيرادات النفط من ميزانيتها، وركّزت على قطاعات إنتاجية أخرى مثل الصناعات التحويلية والزراعة وصيد الأسماك، وحصرت حصة قطاع النفط والغاز بـ25% من ناتجها المحلي. وفي التسعينات، حوّلت إيرادات النفط إلى الصندوق السيادي الذي بات يعرف بـ"صندوق التقاعد الحكومي"، وفصلتها تاليا عن الإنفاق الحكومي بإستثناء نسبة ضئيلة من أرباح الصندوق. فالنروج منعت نفسها من استخدام أكثر من 4% من هذه الأموال في مشاريع البنية التحتية ومشاريع عامة أخرى، وبادرت إلى "نفي" باقي الأموال إلى أسواق العالم عبر صندوقها السيادي.

تجربة صندوق النروج ناجحة. فهو الأكبر عالميا، بأصول تقارب تريليون دولار وإستثمارات في نحو 9 آلاف شركة في 75 دولة. هذا ما يكفل مستقبلا مستداما للأجيال المقبلة، وهذا ما جعل شعبها "الأكثر رفاهية وسعادة"، بحسب التقرير العالمي للسعادة الصادر عن الأمم المتحدة.

"المرض الهولندي" أصاب المكسيك (سابقا) وأذربيجان ونيجيريا وأخيرا فنزويلا التي سقطت في إختبار هبوط أسعار النفط. وثمة دول تسعى للإفادة من العبر، ومنها السعودية التي حدّدت إستراتيجيتها المستقبلية في "رؤية 2030" لتنويع إقتصادها، ودبي التي حافظت على موقعها كنقطة جذب للمال والأعمال والسياحة.

ليس سهلا تجنّب الوقوع في فخّ "نقمة النفط"، وخصوصا في بلد متفلت من الإصلاح والشفافية والتخطيط. لكن الفرص تنضب أيضا، وفترات السماح تنتهي هي الأخرى. لا خيار أمام لبنان إلا الإفادة من تجربة معلمته النروج، في تحرير الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتنمية الصناعة والمشاريع الصغيرة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم رأس المال البشري من تعليم وصحة، ووضع خطة تنموية لإحداث نقلة نوعية في الإقتصاد خلال سنوات ولو بالإعتماد على أموال الصندوق السيادي اللبناني.  

خطوات متأنية وتخطيط متقن هما المطلوبين اليوم وغدا، لأن مقولة "لن نختلف على جلد الدبّ قبل صيده!" ستصيب مناعة لبنان حيال الأمراض الكثيرة التي فاقت ما جعل هولندا نموذجا سيئا. نفط لبنان كـ"إمرأة القيصر"، قول محقّ يستحقّ التطبيق!