EXCLUSIVE

26 كانون أول 2017, 07:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
برامج النهوض كثيرة... والمطلوب واحد

أما وقد إستوت التسوية السياسية على ما يرجئ مؤقتا تفجّر الخلافات ما بين المتنازعين على مشروع "مستقبل لبنان"، بدا أن الإنصراف تحوّل كليا نحو محاولات تعويم الإقتصاد الوطني قبل غرقه رسميا، بعد سبات طويل في وحول سلبت البلاد أمانها وإستقرارها.

أول الغيث، ورشة إعمار وتأهيل كبرى سيطلقها كما تردد، رئيس الحكومة العائد عن إستقالته سعد الحريري مطلع العام الجديد، في مسعى لإنقاذ ما ترهّل من بنية تحتية على مدى 15 عاما، وزاد منها عبء النزوح السوري كلفة مادية ومعنوية فاقت رقميا الـ10 مليارات دولار. وتعتمد الورشة الضخمة على قاعدة إقتصادية تقول "إن كل مليار دولار يتمّ إنفاقُه في مشاريع البنى التحتية، يولّد نموّاً اقتصادياً بنسبة 3% ويتيح نحو 50 ألف فرصة عمل، باعتبار أنّ العمالة تشكل نحو 30% من تكاليف تلك المشاريع".

مطلع السنة 2018، سيكون لبنان إذا على موعد مع إطلاق برنامج إعماري متكامل بكلفة 16 مليار دولار ولعشر سنوات، لإعمار وتأهيل نحو 250 مشروعا في البنى التحتية في كل المناطق اللبنانية. وتردد أيضا أن هناك مشروع آخر مكمل يطول نحو 40 مشروعاً بكلفة تشارف الـ4 مليارات دولار. بكلام آخر، يحتاج لبنان لهذه الورشة الى نحو 20 مليار دولار في زمن لم يشهد بعد إنتهاء مفاعيل أزمة المال العالمية (2008) مضافة إليها تداعيات الإرهاب المتفشي في مجتمعات كانت تعتبر نفسها حتى الأمس القريب، في منأى عما يجري من "فوضى إنتقالية" تعبث في أمن منطقة الشرق الأوسط.

وليس بعيدا، أي بعد أقل من ثلاثة أشهر، يفترض أن يتأهب لبنان لعقد مؤتمر "باريس 4" برغبة فرنسية واضحة ترجمها الرئيس إيمانويل ماكرون في اجتماع مجموعة دعم لبنان عقب عملية إنقاذ "إستقالة الحريري المفاجئة". فهل تأتي ورشة الإعمار الحريرية الثانية في سياق إعداد دفتر شروط الهبات والقروض التي سيطرحها لبنان في "باريس 4"؟

حتى اليوم، لا وضوح في الرؤيا الحكومية، أقله علنا. لكن، ثمة رغبة في البحث جيدا عن سبل التمويل لتفعيل الاقتصاد، وفق ما أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من قصر بعبدا الأسبوع الماضي بعد زيارة بمعية وزير المال إلى رئيس الحكومة. وقد يكون كل ذلك جزءا من خطة وطنية أوسع للنهوض بالإقتصاد المتهالك، وأول الغيث لائحة المشاريع المستهدفة في إعادة تأهيل أو إعمار البنية التحتية.

هي أول خطوة جدية لسعد الحريري على طريق والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي إلتصقت به تسميات تلاءمت وأفكاره وتطلعاته وطموحاته، أبرزها "رجل الإعمار". وإن صحّت التوقّعات والآمال وضاقت الفرص أمام الصفقات والأطماع، فإن لبنان سيكون على موعد مع نهضة لبنى تحتية لطالما شكّلت موضع مطالبة بالتأهيل لتحفيز مناخ الأعمال والإستثمار ولتعزيز القدرة التنافسية للإقتصاد اللبناني، مستفيدا من قانون شراكة بين قطاعين عام وخاص لم يُمسّ بعد، بغية توظيف سيولة مصرفية في مواقع مجدية وذات مروحية أوسع شمولية للمنافع بدل أن تبقى مقتصرة على حلقات ضيقة محسوبة على أهل السلطة والحاشية.

لكن، إن كانت خطة الإعمار الحريرية الثانية جدية لدرجة أنها طالت كل القطاعات وحدّدت كلفتها مفصلا، فما جدوى الخطط الاقتصادية التي يُقال إن بعض الوزارات في صدد إعدادها؟ وما جدوى الإستعانة بشركة "ماكينزي" لوضع خطة لإقتصاد معروف داءه ودواءه؟ وهل مَن يقدّر كلفة التمويل الذي تستهدفه خطط النهوض وتأثيرها على الدين العام ونسبته من الناتج المحلي التي سترتفع حتما إلى ما لا يتلاءم ومتطلبات سلامة المالية العامة للدول؟

قيل إن برنامج الحريري الإعماري وُزّع على الكتل والقوى السياسية للإطلاع على ما فيه من مشاريع وآليات تمويل، والهدف تحصيل إجماع وطني يكفل النجاح ويفيه شرّ التجاذبات. مشهدية لا تنطبق على ما يشوب المطروح من ملفات على طاولة مجلس الوزراء: النفايات والمطامر، بواخر الكهرباء العائمة، ملف "ضباط عون"... وملفات عالقة وجديدة ستعلق حتما إن بقي لبنان متمسكا بهويات متعددة ومشاريع كثيرة لمجتمعات متشتتة يبحث كل منها عن مستقبله.

قبل الشروع في إنهاض الاقتصاد، ربما يجدر بذل الجهود في سبيل إنهاض المجتمع من كبوة اليأس وإنعدام الأمل بطاقم سياسي عرقل سيرة بلد وعوّق مسيرة النمو والتقدّم من أجل حفنة من المصالح، ولا يزال يصارع ويتصارع لحفظ حصصه منها ولو على حساب مجتمع بات خارج دائرة "المصلحة العامة". لا بدّ من أن يُقابَل القليل من الصدقية والشفافية بالكثير الكثير من الثقة والثقة والثقة. برامج النهوض الاقتصادي كثيرة... لكن المطلوب واحد معروفة أوصافه وصفاته!