EXCLUSIVE

02 كانون ثاني 2018, 07:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
لن نفقد الأمل!

سبع سنوات عجاف مرّت على إقتصاد لبنان، ذاق في خلالها المرّ بكل ألوان المؤثرات المباشرة وغيرها، إلى أن بلغت به الحال نحو ترقّب السنوات السبع السمان. فهل يبلغها إن تحقّقت الوعود والأحلام، على مثال رؤيا ملك مصر الريان بن الوليد عن البقرات السبع العجاف التي تأكلن سبعا سمان، وفسّرها النبي يوسف بسنوات الضيق والإزدهار؟

من خريطة طريق ترسمها الطبقة السياسية، يمكن تتبع مسار الحياة الاقتصادية التي بدت بوضوح أنها الضحية الأولى للتسويات والخلافات والتجاذبات، المحلية والإقليمية والدولية، والتي حفل بها العام 2017 على نحو متقلّب ومقلق وملبّد الأفق. فالسنة الصاخبة بالأحداث والتطورات والصدمات لم تقفل على "إنجازات" يمكن التغنّي بها، وإن جازت التسمية على ما عَصِيَ منها على مدى أعوام. في مقدم الأمثلة لا أهمها، الموازنات العامة التي حلّت ضيفة على برلمان لبنان بعد غياب لإثني عشر عاما، وتصويب إنحرافات الأجور للعاملين في القطاع العام بعد أحد عشر عاما، وتحرير قطاع الإستكشاف والإنتاج النفطي بعد أسر سياسي لثلاثة أعوام.

إنجازات السنة الأولى من العهد الجديد تبقى منقوصة كونها مفتوحة على حلقات يفترض إستكمالها في خطوات متدرجة، تبدأ في "التمويل" ولا تنتهي بـ"الشفافية"، وما بينهما تقبع الإصلاحات المطلوبة لإطلاق شهية المجتمع الدولي في عملية منح لبنان ما يحتاجه، وأيضا ما يستحقه، من إعانات لتحمّل تكاليف كثيرة، لا يقتصر عنوانها على النزوح السوري وحده إن بقي الشرق الأوسط على أتون نار يمتدّ لهيبه الى منطقة الخليج العربي والفارسي.

عند نهاية كل عام، تطوف الهموم بعدما تضيق الصدور ذرعا بما حمله من ضيقات تخيّب الآمال بمستقبل مشرق وزاهر. وعلى عتبة كل سنة جديدة، تزدحم الأحلام بتوقعات تعيد تعويض الخسائر والأرباح الفائتة نتيجة عوامل غير مساعدة لتدوير عجلة النمو في إقتصاد دولة لا حرب فيها، لكنها محاطة بحروب كثيرة.

ليس في أجندة إقتصاد لبنان ما يندرج تحت خانة "المؤكد" من بنود أخفقت الحكومة في ترجمتها واقعا يقينا يساهم في ضخّ بعضا من الإنتعاش في شرايين يابسة. فكل ما ذيّل العام 2017 من "إنجازات"، لم يكن إلا خطوات أولى تتطلب إستكمال السير في مسيرة طويلة قبل أن تبلغ ما تستحق من تسميات تليق بعهد يتربّع على عرش من وعود الإصلاح والتغيير. فهل في الممكن تحقيق ما عجزت عنه عهود سابقة، والبلاد على باب إستحقاق إنتخابي؟

ليس المطلوب إعادة لبنان إلى عصره الذهبي في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، لإن الحلم يبقى بعيد المنال في منطقة تغلي بتغييرات سياسية وعسكرية مفتوحة الأفق على تبديل جذري في مواقع القوى وعناصر السيطرة والسطوة. لكن، في أدنى الحقوق ما يستحقّ المحاولة، مرفقا بالكثير الكثير من الشفافية والصدقية تجنبا لتهم بإغفال هموم المواطنين وتقاسم المنافع والثروات على حسابهم، وهذا ما يُسمّى في العرف السياسي "صفقات" تُوزّع مغانمها على أهل السلطة والمحسوبين عليهم من حاشية تبقى ضيقة الحدود وإن توّسعت دائرتها.

جيد إقرار الموازنة العامة لأول مرة منذ العام 2005. لكن في الإستحقاق، يبقى الإلتزام بسقوف التمويل ضبطا للعجوزات المتراكمة التي تأكل من الخزينة لإطعام خدمة الدين العام. إذ لا يكفي التغنّي بإقرار موازنة 2017 في الربع الأخير بعد إقفال أبواب التمويل والإنفاق، بما يجعل "الحدث" يقتصر على الشكل دون المضمون. ويبقى الإمتحان بإقرار موازنة 2018 في موعدها الدستوري إحتراما لكل قرش تجبيه الدولة من جيوب المواطنين وتنفقه في غير محله، بما يحوّله إلى إيرادات مهدورة تحفّز المكلّفين على التهرّب الضريبي لعدم الإقتناع بعدالة الجباية وصوابية الإلتزام. وفي أول الغيث الضريبي، تحلّ الـTVA (ضريبة القيمة المضافة) ضيفا ثقيلا مع 11% كنسبة مجباة من جيوب المواطنين إلى خزينة موصوفة بالهدر والفساد. فهل يُؤمل في أن تشكّل الحلّ الأمثل لتمويل إنفاق عام يوزّع نعَمَه بالمجان بعيدا عن الإستثمار المجدي والمحفّز لمناخ الأعمال؟

وثمة تتمات تقف عند عتبة "الإنجازات" لتكمل حلقات السلسلة، وأهمها "التمويل" في زمن القحط الإقتصادي الذي يلفّ العالم. فالمال عصب الحياة، هو الحاجة المطلوبة لتغطية متطلبات سلسلة الرتب والرواتب والمفتوح من المطالب الموازية على حقوق لا تزال "مهضومة". وهو أيضا مطلوب في برامج النهوض الاقتصادي الذي وُعِد لبنان بها، لتشارف حاجته وفق ما حدّدته المعلومات الأولية المتسرّبة من خطة رئيس الحكومة سعد الحريري المرتقبة، نحو 20 مليار دولار... فضلا عما يُرتقب أن يغدق مؤتمر "باريس 4" من أموال ممنوحة على شكل قروض مدعومة الفوائد وهبات، إن أحسن لبنان إعداد خططه وبرامج بما يقنع المجتمع الدولي بأدائه الرسمي ويعزّز الثقة بمسارب إنفاق لا تزال في حاجة إلى رقابة صارمة.

بالأمس، قال وليد جنبلاط، أحد أقطاب السياسة في لبنان، "لن نفقد الأمل، ولن نستسلم لليأس والإحباط والتشاؤم"، مغرّدا في تعليق على إحتفالات وسط بيروت لمناسبة رأس السنة. فعل إيمان ترجمه في تغريدة "تويتر"، لكنه فعلا واقعا يطبقه اللبنانيون ويصارعون لأجله كل يوم، وهو ما يعزّز صمودهم ومقاومتهم لكل أنواع الصدمات والعقبات. ومعهم نقول "مهما بلغت الإنحرافات السياسية من سوء وشرّ، لن نفقد الأمل ببلد لم تغلبه مطامع ولا أطماع".