آراء / مقالات

12 كانون ثاني 2018, 08:54
صحيفة الحياة عدنان كريمة
"دولار ترامب" وحرب العملات

عندما تسلم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحكم في كانون الثاني/يناير 2017 ، كان الدولار في أسوأ أداء له منذ 1987، بفعل مخاوف من استعداد الولايات المتحدة للتخلي عن سياسة "الدولار القوي" التي تبنتها على مدى عقدين. وقد انخفض بنسبة 2.6% في مقابل سلة من العملات الرئيسة، في ظل قلق متزايد من تداعيات مرتبطة بسياسات الحماية التجارية التي يتبناها الرئيس الجديد.

في ذلك الوقت، توقع محللون ان يتجه سعر صرف العملة الأميركية نحو الانخفاض في المستقبل، وبنسبة قد تصل الى 20%، وربطوا توقعاتهم بأهمية طبيعة المخاوف التي تسود الأوساط المالية الأوروبية، التي تعتبر أن عهد ترامب سيشهد عملياً "حرب عملات دولية"، ليس فقط بين الدولار وعملات الصف الثاني والثالث للاقتصادات الناشئة أو النامية، إنما بين الخمسة الكبار، أي الدولار واليورو والإسترليني والين واليوان.

وينطلق ترامب من أن أزمة الاقتصاد الأميركي تكمن في ضعف الصادرات التي يجب تشجيع زيادتها، وذلك لن يتم برأيه إلا من خلال آلية واحدة ، وهي خفض قيمة الدولار مقارنة بالعملات الأخرى، وبالتالي تصبح أسعار الصادرات الأميركية أقل من نظيرتها العالمية مقيّمة بأي عملة دولية منافسة، ما يؤدي الى احتدام المنافسة التجارية التي يعتبرها حلفاء الولايات المتحدة الدوليين في مجموعة العشرين حرباً اقتصادية مباشرة وصريحة ضدهم، لأن زيادة الصادرات الأميركية ستتم على حساب إضعاف صادراتهم، وهذا يعني حرب عملات ربما لم يشهدها العالم منذ ثلاثينات العشرين.

وبعد فوز ترامب بالرئاسة الأميركية، وقبل أن يتسلم الحكم، جاءت أرقام نهاية عام 2016 لتعزز قناعته، وهي تشير إلى أن العجز التجاري للولايات المتحدة بلغ أعلى مستوياته منذ أربع سنوات، مسجلاً 502 بليون دولار. ومن خلال الأرقام برزت أهمية الصين التي تسببت بنحو 70% من العجز، إذ بلغت حصتها 347 بليون دولار، رغم أن هذا المبلغ تراجع بنسبة 4.5% مقارنة به عام 2015. وعززت هذا الخلل الكبير حجج واشنطن التي تتهم بكين بممارسات تجارية غير نزيهة، وهددتها بتدابير تصل إلى فرض زيادة الرسوم بنسبة 45% على وارداتها منها.

ماذا حصل في السنة الأولى من عهد ترامب، وماهي التوقعات للسنوات اللاحقة؟

حرصاً من الإدارة الأميركية على المصالح الأساسية للولايات المتحدة، ولمواجهة الصفقات التي تكتنفها الأخطار وتهدد الأمن القومي، اعترضت لجنة الاستثمار الأجنبي (لجنة حكومية) بشكل سري، على تسع صفقات تملّك على الأقل من مشترين أجانب لشركات أميركية، وهو رقم مرتفع بالمعايير التاريخية، خصوصاً بعدما أعلن عن 87 استحواذاً على شركات أميركية من قبل شركات صينية منذ مطلع السنة، بما يزيد على عدد الصفقات البالغ 77 في الفترة المقابلة من 2016. وترافق ذلك مع تنامي التوترات السياسية والاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين حول تفاقم العجز التجاري لمصلحة الأخيرة، ومرتفعاً بنسبة 3.1% الى 32.6 بليون دولار في حزيران/يونيو الماضي. وسبق ذلك اتفاق تم بين ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ في نيسان/أبريل، على خطة جديدة مدتها 100 يوم لإجراء محادثات تهدف الى تعزيز الصادرات الأميركية وتقليص العجز التجاري. وعقد الجانبان في واشنطن "محادثات صريحة"، لكنهما فشلا في التوصل إلى اتفاق في معظم القضايا التجارية والاقتصادية المشتركة. ومع انتهاء فترة المئة يوم رسمياً في تموز/يوليو، انغلقت نافذة الحلول، ولم يصدر أي بيان مشترك أو إعلان في شأن فتح السوق الصينية أمام الولايات المتحدة. وبذلك دخلت العلاقات التجارية المتأزمة مرحلة جديدة مرشحة للتفاقم، في ظل تحقيق لإدارة ترامب ضد ممارسات تجارية صينية، وصفها البيت الأبيض بأنها تضر بالصناعة الأميركية. وردت بكين بأن «التحقيق التجاري الأميركي يخرب النظام التجاري العالمي الحالي، ويثبط تنمية العلاقات التجارية بين البلدين».

وهكذا، استمرت الأزمة حتى تشرين الثاني/نوفمبر، عندما شهدت بكين لقاء قمة بين ترامب وشي جينبينغ، وأسفرت عن اتفاق على توقيع أكثر من 20 اتفاقاً، تجاوزت في مجملها حاجز 253 بليون دولار، ما يساهم بتوفير عدد كبير من الوظائف للأميركيين، وخفض العجز التجاري الأميركي مع الصين.

ولكن لوحظ أن الفائض التجاري للصين بلغ 39.17 بليون دولار في تشرين الأول/اكتوبر، بارتفاع 10% في الشهر ذاته عام 2016، وأن العجز التجاري الأميركي مع الصين بلغ 223.6 بليون دولار في الأشهر العشرة الأولى من 2017، ما يشكل أرتفاعاً بنسبة 8% على أساس سنوي. وإذا كان المراقبون يتوقعون أن يرتفع هذا الرقم إلى نحو 275 بليوناً نهاية السنة، فإنهم يأملون بأن تقطف الولايات المتحدة ثمار اتفاقاتها مع الصين في السنوات المقبلة.

أما بالنسبة إلى تطور سعر صرف الدولار، فقد هبط نهاية العام الماضي إلى أدنى مستوياته أمام سلة عملات رئيسة، في وقت قفز اليورو والجنيه الإسترليني، ما جعل العملة الأميركية على مسار هبوط بنحو 10% في السنة الأولى من عهد ترامب، وهو أسوأ أداء سنوي لها منذ العام 2003. ومن المرتقب أن يستمر هذا الهبوط بانتظار حل مشكلة العجز التجاري الأميركي مع بلدان أخرى، خصوصاً مع دول الأتحاد الأوروبي، والبالغ نحو 150 بليون دولار سنوياً، ولاسيما مع ألمانيا التي وجهت إليها واشنطن انتقادات شديدة.