آراء / تقارير

13 كانون ثاني 2018, 09:34
huffpost عبدالرحمن عياش
استعدوا لعالم بلا عملات!

سمع أحمد نزار عن العملات الرقمية لأول مرة في 2016، لم يعرف ماهيتها. بعد أشهر، أخبره مديره في العمل عن البيتكوين في شباط/فبراير الماضي، لم يفكر نزار في الاستثمار حينها. لكن بعد شهرين وعشرات المقالات وبضع محاضرات، حاول إقناع والده بتمويل مشروعه الاستثماري. لم يقتنع والده، لكنه أقنع جدته وأخواته، ليجمع 5 آلاف دولار ثم يبدأ الاستثمار في العملات الرقمية.

في البداية، كان الشاب العشريني يتابع صعود قيمة العملات وانخفاضها بقلق شديد. الآن وبعد 7 أشهر، لا يبدو نزار متوتراً أثناء متابعة الرسوم البيانية على شاشة هاتفه الجديد iPhone X، الذي يدير عبره محفظة عملات رقمية تبلغ قيمتها أكثر من 250 ألف دولار يستثمر فيها أموال 25 من معارفه والمقربين منه. نزار ليس الوحيد، لكن قصته تسلط الضوء على عالم جديد يبدو أنه جاء ليبقى، عالم "الكريبتو"!

في البدء كانت النقود.. حقًا؟
يقيم نزار، وهو اسم مستعار، في العاصمة الاقتصادية لتركيا، إسطنبول، لم يتخلّ عن وظيفته ولم يتفرغ للاستثمار في العملات الرقمية Cryptocurrencies، لا يزال يحصل على راتبه من العملات الورقية مع بداية كل شهر، في مقابل الجهد الذي يبذله في العمل في أحد مراكز الأبحاث مديراً للبرامج.

تمثل العملات التقليدية لنزار وللجميع، مقياسًا للقيمة، لكن كيف وصلنا إلى هنا؟
قبل 11000 سنة، سجّل المصريون أول معاملاتهم المالية بنظام المقايضة، كانت الحبوب والحيوانات أساس النظام المالي لآلاف السنين. بعد ذلك، قرر الصينيون أن قطع الفضة أو النحاس ثمينة بما يكفي لتمثيل القيمة. في العام 600 قبل الميلاد، قدّمت مملكة ليديا -في تركيا-، للعالم أول نقود منتجة مركزياً.

تمر السنوات، ويزداد تعقيد المعاملات المالية واتساع التجارة، ويعرف العالم العملات الورقية "البنكنوت"، والتي تمثل صكاً مكتوباً بقيمة محفوظة من الذهب أو الفضة. ورغم تطورها، ظلت النقود مرتبطة بالذهب، وكانت كل ورقة نقدية تعني قيمة مماثلة لها من الذهب حتى منتصف القرن الماضي. وفي كل المراحل حافظت العملات على هويتها، كوسيط للقيمة وكتمثيل للديْن، تكتسب أهميتها من اتفاق الناس على ما تمثله، ومن محدوديتها (أو محدودية غطاء الذهب المرتبطة به) ومن العرض والطلب. انفصلت العملة عن الذهب، ومع انفصالها ضاقت قبضة الدولة المركزية على النقود. ومع المركزية جاءت المعضلات الكبرى.

الآن، يمكن للحكومات أن تطبع المزيد من الأوراق النقدية لتغطي عجزاً ما، لكن المزيد من الأوراق النقدية بلا غطاء من الذهب أو من العملات الأجنبية الأخرى يعني قيمة أقل، كما باتت الحاجة في كل المعاملات المالية إلى طرف ثالث موثوق (الدولة، البنك.. إلخ) يتمم العملية ويؤكد صلاحيتها ويقيّدها في سجلاته التي لا يطلع عليها سواه غالباً. المعاملات تحتاج الكثير من الوقت، وفي بعض الدول، تتحكم البنوك وأجهزة الدولة بالمبالغ التي يمكن سحبها أو إنفاقها لأسباب سياسية أو اقتصادية. وأخيراً، فإن الأموال عرضة للسرقة أو حتى التلف وربما التزوير. لكن ما البديل؟

مرحباً بالإنترنت!
في 1996، عرضت قناة PBS الأميركية برنامجاً توقعت فيه نمو النقود الرقمية من البايت والبيت Bits and Bytes لتشكل عملة المستقبل. وفي النصف الثاني من التسعينيات، بدأت المحاولات للعثور على الحل الذي قد يقدمه الإنترنت لمشكلات النقود في العالم الحديث، لكن العالم انتظر 12 عاماً لتظهر النتائج.

في 2008، نشر مبرمج غير معروف، ورقة قدم فيها مفهوماً جديداً لعملة رقمية، أطلق عليها اسم بيتكوين Bitcoin، يتم استخراجها بجهد مبذول من أجهزة الكمبيوتر المتصلة بالشبكة (عملية تسمى التعدين)، وتُجرى فيها المعاملات والتحويلات بتقنية الند للند peer-to-peer، بشكل سريع وبلا رسوم إضافية، فلا حاجة لوسيط ثالث ولا لطرف موثوق يقوم بتسجيل العمليات Transactions. فكل المعاملات التي تتم باستخدام هذه التقنية والتي عُرفت باسم Blockchain، مُقيّدة في سجل عام، يمكن لجميع من على الشبكة الاطلاع عليه، ويطلق على السجل اسم Public Ledger.

يمكن فهم هذه التقنيات بمقارنتها بما لدينا الآن، فالأمر يشبه إلى حد بعيد نظام تبادل الملفات Torrent، حيث يكون الملف موجوداً على العديد من أجهزة الكمبيوتر في وقت واحد، وتستمر عملية التبادل قائمة ما دامت الأجهزة متصلة بالشبكة، ويمكن لأي كان معرفة عناوين الأجهزة التي تقوم بمشاركة الملفات.

بهذه التقنيات استطاع مبرمج البيتكوين، الذي لا يعرف أحد سوى اسمه المستعار ساتوشي ناكاموتو، التغلب على المشكلات الرئيسة التي تواجه النقود التقليدية. فلا يمكن تزوير البيتكوين، اذ يتم إنتاجها بشكل جماعي لا مركزي Decentralized ومراقب من كل المتصلين بالشبكة، كما أن التحويلات فيها تتم بشكل علني وواضح وسريع، وكذلك لا يمكن اختراقها إلا بمعرفة كلمة السر الخاصة بالمستخدم، وهي تركيبة معقدة من الرموز تتعمد مواقع تبادل العملة إضفاء قدر متزايد من الصعوبة عليها.

الله لم يخلق العملات متشابهة!
يستثمر أحمد نزار أمواله في أكثر من 40 عملة رقمية، بعضها معروف، مثل بيتكوين أو إيثيريوم أو بيتكوين كاش، وبعضها أحدث أو أقل شهرة مثل ترون TRON، نيو NEO أو ستراتيس Stratis.

منذ صدور ورقة ناكاموتو في 2008، تجاوز عدد العملات الرقمية 1400 عملة، تحاول بعضها تلافي مشكلات غيرها، فيما تبرز الكثير منها كمحاولات غير ناضجة أو غير مكتملة. الكثير من هذه العملات خرج بالاعتماد على نفس الكود الذي كُتبت به عملة بيتكوين، وبذلك فهي تعتمد على نفس شبكة البلوك تشين التي تستخدمها بيتكوين، لكن بعض العملات الأخرى أسست شبكاتها الخاصة من الصفر، مثل عملة إيثيريوم أو أومني OMNI أو ريبل Ripple.

العملات الأكثر نموًا خلال 2017
يقول نزار إنه يختار العملة التي يستثمر فيها على أسس محددة. ففي البداية، يجب قراءة "الورقة البيضاء" White Paper والتي يوضح فيها من يقف خلف العملة الهدف من تأسيسه لها، والكثير من العملات هي مجرد اسم، أسسها أصحابها لجمع أموال من المستثمرين لتحقيق ربح سريع.

ثانياً، يعتقد نزار بأن على المستثمر أن يتأكد من المشكلات التي تحاول هذه العملة حلها، وهل هي حقيقية بالفعل، وهل العملة تقدم بالفعل حلّاً لها؟ مثلاً، تقدم عملة إيثيريوم Ethereum حلولاً لصياغة عقود إلكترونية بين طرفين من دون الحاجة لطرف ثالث موثوق مثل المحكمة أو القاضي أو جهاز الدولة. أما عملة مونيرو Monero فتوفر فرصة لتنفيذ تحويلات مالية غير قابلة للتتبع، إذ أن سجلاتها أعلى خصوصية من سجلات بيتكوين. لذلك، فهي العملة المفضلة لقراصنة الإنترنت وللتحويلات عبر الشبكة المظلمة Dark Web. أما عملة Ripple، فتقدم وسيلة سريعة للغاية للتحويلات المالية، حيث تسمح خوارزمية العملة بأكثر من 10000 معاملة في الثانية الواحدة، كما أنها بدأت في عقد شراكات مع بنوك كبرى في دول مختلفة، وهي بذلك توفر حلاً لتخوف الحكومات من عدم قدرتهم على السيطرة على سوق العملات الرقمية.

مقارنة بين نمو البيتكوين مقابل عملة ريبل، إذا كنت قد استثمرت في ريبل 100 دولار قبل عام واحد، لكانت أرباحك اليوم أكثر من 35 ألف دولار. يؤكد نزار أنه يتتبع المراحل المختلفة للعملات، فالعملة الرقمية تمر بمراحل من البيع والتداول. وأخيراً يتابع باستمرار التحليلات المالية وكذلك التحليلات التقنية للعملات المختلفة.

طريق للثراء السريع والمتمهّل
لم يمتلك نزار في البداية ما يستثمره في العملات الرقمية. لذلك، اضطر إلى إقناع آخرين باستثمار أموالهم معه في تموز/يوليو 2016، وبعد ذلك بأشهر، استطاع الحصول على 8 آلاف دولار ليستثمرها بنفسه، إضافة إلى 10 آلاف دولار من أحد المقربين. يقول نزار إن رأس المال الذي بحوزته من 25 شخصاً تجاوز 50 ألف دولار، وخلال 5 أشهر نما المبلغ ليصل إلى قرابة 250 ألف دولار.

لكن ليس كل المستثمرين يبدأون بخبرات نزار الذي درس الاقتصاد وإدارة الأعمال. فقد بدأ زيد، وهو طالب فلسطيني (16 عاما)، قبل أشهر الاستثمار بالعملات الرقمية بعدما حصل على 500 دولار من والده الذي شجعه على خوض التجربة. يقول زيد إن رأس ماله تضاعف 5 مرات خلال الأشهر الثلاث الأخيرة، بعدما استثمر في 13 عملة مختلفة.

يتتبع زيد أخبار العملات والأخبار الاقتصادية في مناطق مختلفة من العالم، يقول "هناك 4 منصات تداول العملات أغلقت اخيراً، أما اليابان فقد سمحت بالعملات الرقمية وبدأت تنظيم التداول بها. لكن شركة "فيزا" أوقفت التعامل مع بعض الشركات التي تحوّل البيتكوين إلى نقود"، ويتابع بثقة "السوق مضطرب، والمستخدمون الجدد يدخلون السوق بشكل غير واع".

يبذل زيد جهداً كبيراً في إقناع آخرين بالانضمام إلى المضاربة في العملات الرقمية، ويقول إنه أقنع 6 أشخاص بوضع مبالغ مختلفة لاستثمارها. وهو يعتقد، بحماسة، أن هذه العملات ستتحول لتصبح بديلاً للنقود في المستقبل.

نزار لا يختلف كثيراً مع زيد، يقول مطمئناً أحد زملائه الذي قرر أن يستثمر معه 2500 دولار في العملات الرقمية، إن التقنية التي تقف وراء تلك العملات لن تتوقف إلا بتوقف الإنترنت!

وعلى خلاف زيد أو نزار، يدخل الكثيرون سوق العملات الرقمية لاستثمار طويل الأمد لا المضاربة. جواد، شاب سوري (30 عاما) يقيم في إسطنبول، لا يبحث عن الربح السريع. خلال النصف الأول من 2017، قرر جواد استثمار 2500 دولار تقريباً في العملات الرقمية. ومنذ نيسان/أبريل الماضي، نمت استثماراته لتصل إلى أكثر من 18 الف دولار. يبدو جواد هادئاً وهو يقول إنه مستعد للخسارة، لكنه يتوقع مكاسب كبيرة للغاية على المدى الطويل. "سأنتظر حتى يصل سعر البيتكوين إلى 60 أو 100 ألف دولار لأبيع حينها وأشتري منزلاً أو سيارة، فما الذي أريده أفضل من ذلك؟"

دجاجة تبيض ذهباً؟
يفكر نزار كثيراً في المستقبل، فالسوق الذي يعمل به شديد الهشاشة وسريع التقلب. "أنصح من يعملون معي بألا يغيروا نمط حياتهم اعتماداً على ما تظهره الأرقام على شاشات هواتفهم".

خسر نزار في يوم واحد من قيمة عملاته أكثر من 100 ألف دولار، كان هبوطاً مدوياً للكثير من العملات. "إذا أردت الاستمرار، يجب أن تمتلك أعصاباً من حديد" يقول نزار. بالنسبة للكثيرين، لا تعني النجاحات التي حققها زيد وجواد ونزار وعشرات الآلاف غيرهم، لكنهم الأكثر حظاً في سوق -فقاعة- قد تنفجر في أي لحظة.

وزير المال اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، أحد أبرز الاقتصاديين في العالم، يعتقد بأن البيتكوين هي الفقاعة المثالية. والفقاعة يُقصد بها الارتفاع السريع في قيمة الأصول، والذي يتبعه انهيار مفاجئ أكثر سرعة. لكن كيف نعرف أن البيتكوين فقاعة؟

يوضح فاروفاكيس: "يمكنك أن تلقي نظرة على منحنيين اثنين، الأول يمثل سعر البيتكوين مقابل الدولار والذي يتضاعف بسرعة مهولة، والآخر يمثل الخدمات والبضائع التي تُباع مقابل البيتكوين". مقارنة الرسمين البيانيين تعطي فكرة عن حجم التضخم في قيمة البيتكوين. يلقي فاروفاكيس الضوء هنا على الفقاعة الاقتصادية الأولى في التاريخ والتي تُعرف بـ"جنون التوليب"، والتي وصل فيها سعر البصيلة الواحدة من زهور التوليب الهولندية في ثلاثينات القرن السابع عشر، ليفوق سعر المنزل الضخم أو دخل أسرة كاملة لـ10 سنوات قبل أن ينهار كل ذلك خلال أشهر.

ملاحظة فاروفاكيس ذكية للغاية، فمعظم المستخدمين الجدد للعملات الرقمية لا يفكرون في استخدامها كعملة، بل يشترون العملات الأرخص على أمل أن تصل إلى أسعار خيالية مثلما حدث مع بيتكوين. لكن الأمور لا تجري بهذا الشكل. فرغم قبول شركات عديدة الدفع باستخدام بيتكوين، إلا أن شركات عملاقة أخرى مثل "مايكروسوفت" أوقفت الأمر بعد دراسات متأنية.

نزار من جانبه لديه خطة عمل واضحة بحيث يتجنب الخسائر الكبيرة في حال انهار سوق العملات الرقمية. "عندما أصل لمستوى معين من الربح، سأقوم بسحب رأس المال لكل المستثمرين معي، وعند نقطة أخرى سأسحب نسبة من الأرباح لكل مستثمر لديّ، وفي نقطة ثالثة سأنوّع الاستثمارات بعيداً عن العملات الرقمية".

بالنسبة للكثيرين، يبدو أن المضاربين في العملات الرقمية والذين يضاف إليهم عشرات الآلاف من الأشخاص كل يوم، فقدوا البوصلة. لا يبحث المستخدمون الجدد عن حلول لمشكلات النظام المالي العالمي، لكنهم يريدون الربح السريع. يقول أحد مطوري العملات الرقمية الذي ترك المجال "هناك الآن رهانات ضخمة تتم في "وول ستريت" مقابل ارتفاع وانخفاض سعر البيتكوين، هذا يجعلني أفكر: أين ذهبت فكرة التخلص من المؤسسات المالية الفاسدة؟"

الاقتصاديون التقليديون لا يرون مستقبلاً للبيتكوين ولا للعملات الرقمية بشكلها الحالي، لكنهم يعتقدون أن التقنية التي تقف وراءها ستقدم حلولاً مذهلة للمستقبل.

نجاح باهر.. لكن الأمر لا يزال غامضاً
يحصل نزار على نسبة من أرباح معارفه من الذين يستثمرون أموالهم لديه، تصل إلى 20% أحيانا، وينشط في عدد من مجموعات "واتساب" ومواقع التواصل للحصول على فهم أفضل لسوق العملات الافتراضية، لكنه يعتقد أن هناك مساحات كبيرة من الغموض ما زالت تغلف جوانب مختلفة من هذه العملات.

رغم النجاحات الكبيرة التي حققها نزار، إلا أنه يقيّم فهمه للتقنية بجوانبها المختلفة بـ6/10. "هناك تفاصيل اقتصادية وتقنية لا تزال غامضة إلى حد ما". يشير نزار إلى أن العديد من الدول لم تنظم السوق بعد. ففي تركيا التي ينشط فيها لا تزال السلطات غير واضحة بخصوص سوق العملات الرقمية، لكن دولاً أخرى عديدة بدأت تبني التقنية وتطبيقاتها، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. لكن دولاً كبرى مثل الصين لا تزال غير واضحة بشكل نهائي في موقفها، وهو الموقف الذي سيؤثر على سوق العملات الرقمية بشدة، لأن معظم خوادم التعدين للعملات المختلفة تقع في الصين.

"لا تسير الأمور دوماً على ما يرام"، يقول نزار مشيراً إلى أنه خسر في إحدى مضارباته أكثر من 50% من قيمة أمواله التي وضعها في إحدى العملات. وبسبب هذه المخاطر يرفض التعامل مع مستثمرين لا يعرفهم شخصيا، لكنه يبدو مستمراً في مشروعه. "هناك خسائر تحدث" يقول نزار ويتابع بابتسامة واثقة، "لكنني لم أدع أحداً من شركائي يخرج خاسراً!"